ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة فتح !
أسامة أبو ارشيد
أسامة أبو ارشيد

ما كشفت عنه فضائية الجزيرة من تقديم المندوب الفلسطيني لدي الأمم المتحدة، رياض منصور، مشروع قرار يصنف حركة حماس كـ ميليشيات فلسطينية خارجة عن القانون ؟ في أفق اعتبارها إرهابية دوليا في مرحلة تالية، لم يكن بالأمر المفاجئ. بل إن المفاجئ هو أن لا تكون سلطة محمية مقاطعة رام الله علي هذه الدرجة من الإسفاف والابتذال.
لقد كتبت غير مرة وعبر هذه الصفحة بالذات عن أن ما تمّ ما في قطاع غزة من بسط للشرعية بقوة القانون، كان تحصيل حاصل لمقدمات منطقية قادت إلي هذه النتيجة الطبيعية، والتي تقول إنه من حق من ينتخب ديمقراطيا أن يحكم باسم الشرعية، وإن من يخرج علي الشرعية بقوة السلاح لا يتم التعامل معه بقوانين الحريات المدنية وحقوق الإنسان، وإنما بفرض النظام قسرا وبقوانين الطوارئ، وهذا هو ما فعلته الحكومة الفلسطينية، برئاسة السيد إسماعيل هنية. وهي لو لم تفعل ذلك وعجزت عن فرض النظام والأمان لكان ينبغي أن تعزل بقوة القانون وباسم الشرعية أيضا. أما حقيقة كون الضفة الغربية لا زالت خارج نطاق الشرعية، فالسبب واضح وهو أن ثمة احتلالا يؤمن الحماية والاستقرار لحكومة غير شرعية في رام الله. ومن هنا نفهم تصريح رئيس الشاباك الإسرائيلي قبل أشهر قليلة من أن السلطة الفلسطينية ـ سلطة محمية مقاطعة رام الله ـ لم تعد تطلب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية خوفا من تكرار أنموذج قطاع غزة، رغم فارق الظروف وإمكانيات حماس ما بين قطاع غزة والضفة الغربية (بالمناسبة فإن هذا التصريح يوضح إصراري علي استمرار استخدام مصطلح سلطة محمية مقاطعة رام الله). أقول هذا الكلام انطلاقا من قناعة كاتب هذه السطور في أن موقفه ليس مبنيا علي انحياز لطرف ضد طرف آخر، كما أنه ليس عائدا لحسابات وانتماءات سياسية وإيديولوجية، يصر البعض علي ترديدها كلما كتبت في هذه المسألة. فمبني الإشكالية هنا أن من ينال التفويض الشعبي يحكم باسم الشرعية الشعبية، سواء أكان ذلك الطرف حماسا أم فتحا، أما الطرف الخاسر فله الحق بالمعارضة الديمقراطية حتي تأتي به الانتخابات القادمة، هذا إن أتت به أصلا، ومن يخــرق قواعد اللعبة الديمقراطية، سواء أكانت حماس أم فتح يـــتم ردعه بقوة القانون.
بعد هذه اللازمة الاستهلالية الضرورية لفهم التالي من السطور، نعود مرة أخري إلي حكاية مندوب سلطة محمية مقاطعة رام الله لدي الأمم المتحدة. فحسب مستندات ووثائق حصلت عليها الجزيرة قبل أسبوع تقريبا، فقد قدم هذا الأخير مشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف الشهر الماضي، يدين في فقرتين منه إطلاق الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة ويساويها بالعدوان الإسرائيلي، ويدعو إلي اعتبار سيطرة حركة حماس، عبر حكومتها الفلسطينية الشرعية، علي أنها سيطرة لـ ميليشيات خارجة عن القانون. وكأن هذه الميليشيات ؟ حسب زعم رياض منصور ومن ورائه سلطة محمية المقاطعة ؟ لم تحصل علي 70% من مقاعد المجلس التشريعي المنتخب ديمقراطيا، في حين يتمتع رئيس وزرائه في حكومة المحمية ؟ سلام فياض، بدعم لم يتجاوز في الانتخابات التشريعية ذاتها مطلع عام 2006؟ بـ 2.5%؟ وبالتالي لم ينجح من كتلته العتيدة سوي هو والدكتورة حنان عشراوي، قبل أن تنفصل عنه، ليبقي له في أحسن الأحوال 1.25%؟ هذا مع الافتراض المفرط بحسن النية من أنه يتمتع بشرعية وشعبية العشراوي!
وما كادت الجزيرة تنشر هذا الخبر، حتي قامت الدنيا عليها ولم تقعد من قبل حكومة محمية مقاطعة رام الله ومن ورائها حركة فتح، واللتين أنكرتا صحة الوثيقة واتهمتا الجزيرة بكل نقيصة وخسيسة. ولكن ولأن الحقيقة دائما أمضي أثرا وأرسخ حجة، فقد فضح المستور مع كشف الجزيرة عن الوثائق وبالصور، والتي زودها بها، كما قالت الجزيرة، مصدر عربي في الجمعية العامة. وجه الغرابة، ان منصور هذا لم يعرض مشروع القرار علي المندوبين العرب في الأمم المتحدة، كما جري عليه العرف الديبلوماسي، بل إنه سعي أولا لتأمين دعم أوروبي له، علي أساس أن الأمريكي والإسرائيلي مضمونان. وفي الحقيقة إنه لو جري الكشف عن مضمون مشروع القرار من دون كشف مقدمه لما شك مراقب إنه إما مشروع أمريكي أو صهيوني، لأن أوروبا ورغم انحيازها التاريخي ضد الشعب الفلسطيني فإنها لم تصل هذه الصلافة بعد في التخندق في المعسكر الإسرائيلي.
هذا كان عن وجه الغرابة، أما وجه الفجاجة في الأمر، فهو ما كشفه محضر الاجتماعات الصادر عن بعثة الجامعة العربية لدي الأمم المتحدة، كما نشرته الجزيرة، من أن المندوب الفلسطيني الذي ضاق ذرعا باعتراضات مندوبي مصر وسورية والأردن وليبيا والسودان والتي تركزت علي نقطتين، الأولي تقديم مشروع قرار دون الرجوع إلي المجموعة العربية عملا بالعرف السائد بين المجموعة العربية، والثاني تدويل الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني واستعداء العالم علي فصيل وتهييئ الأجواء لتوصيفه إرهابيا دوليا.. حاول تبرير (أي منصور) هذه الصياغة بطريقة غير ديبلوماسية وجافة أحيانا ؟ مشيرا إلي أنه لا يأبه بالموقف العربي وانه مهتم فقط بالدعم الأوروبي لمشروع القرار!!.
صحيح أن المندوبين العرب نجحوا في تعديل الصياغة في آخر المطاف، حيث اتفق علي إدخال عبارة الاستيلاء غير القانوني علي مؤسسات السلطة بدلا من استيلاء مليشيات خارجة عن القانون إلا أن ما لم يشر إليه أحد هو ذلك التحول الخطير داخل بعض جيوب وجحور الساحة الفلسطينية. فأن يتصدي مندوب سلطة محمية رام الله لمندوبي لا سورية والأردن والسودان وليبيا فحسب، بل وحتي مصر، فإن هذا يستلزم قراءة جديدة، حيث أن دلالاتها خطيرة جدا وأبعد مما يتوقع البعض. فمعروف أن رموز سلطة فتح يغضبون الدنيا كلها ولا يغضبون مصر، وهم حريصون دائما علي ودها، بالإضافة إلي المملكة العربية السعودية. إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تحولا واضحا في هذه المقاربة. فأبو مازن ينسق يمينا وشمالا لمؤتمر أنابوليس القادم، إن عقد، ويتجاهل دور مصر، والتي كان حظها منه أخيرا زيارة تلطيفية، وذلك لكي يطلع الرئيس المصري علي آخر التطورات. وهو كان قبل ذلك قد رفض وساطات مصر والسعودية لإعادة لحمة الشعب الفلسطيني بعد بسط الشرعية في قطاع غزة منتصف حزيران (يونيو) الماضي. إذن، أبو مازن ومن ورائه حركة فتح وبعض الطفيليات التي ركبت قافلة الفتنة، باتوا يرون في أنفسهم كارادورا ؟ أو ممرا، لتمديد النفوذ الأمريكي الإسرائيلي إلي قلب الجسد العربي، وبالتالي فهم لم يعودوا بحاجة ماسة إلي العمق العربي، حتي الرسمي المتقاعس منه، حيث أن ثمة مظلة أمريكية ـ إسرائيلية جديدة تظلهم الآن. وهذا هو أخطر ما في الأمر، أن يخرج جزء من فصائل العمل الفلسطيني القضية من عباءتها العربية، وإن كانت مهترئة، ولكنها مع ذلك تبقي أفضل من العباءة الأمريكية ـ الإسرائيلية المسمَّرة ؟ والتي تقتل من يتلفع بها من الفلسطينيين باستنزاف دمائهم عندما تغرز مساميرها في أجسادهم.
لا بد من الاعتراف وبدون رتوش ولا مساحيق بأن حركة فتح تحولت إلي سمسار للقضية مكشوف الوجه ويتقاضي عمولته علنا دون خجل ولا وجل. أما حكاية عباءة الشرعية التاريخية، فقد أضحت حجة استباقية لأي شكوك تثار حول فتح ودورها في الساحة الفلسطينية اليوم. لقد كثر الحديث عن أن حركة فتح مخطوفة من قبل زمرة منسلخة عن تاريخ وتراث الحركة. حسنا، فأين هي تلك الفئة الصالحة والوطنية داخل فتح!؟ لماذا لا تعبر عن نفسها!؟ ولماذا تصر علي عدم نفض الأتربة والأدران عن جسد حركتها المثقل بوطأة أصحاب الولاءات الخارجية!؟ هذا التقييم القاسي لا يعني أن فتحا عدمت شرفاء ووطنيين، ولكنهم مغيبون طوعا وصامتون عن ما يجري باسم حركتهم من تدمير للقضية الفلسطينية، وبالتالي فهم... نعم، هم مدانون أيضا.
في الأسبوع الماضي احتفلت حركة فتح بالذكري الثالثة لوفاة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، والذي كان أيضا الزعيم التاريخي لحركة فتح. أبو مازن وأمام نصبه التذكاري في رام الله أكد مواصلة طريق الزعيم الخالد . أيضا محمد دحلان كان ممن شارك جماهير فتح المحتشدة لإحياء ذكري ياسر عرفات في رام الله. موقع صوت فلسطين ـ حركة فتح المحسوب علي هذه الأخيرة عنون إحدي تقاريره (11/11) عن إحياء الذكري الثالثة لوفاة عرفات في رام الله بـ: دحلان يختطف الاضواء في مهرجان تأبين الشهيد الرمز أبو عمار . وجاء في تقريرها: طالبت جماهير حركة فتح المشاركة في مهرجان إحياء الذكري الثالثة لرحيل الشهيد الرمز أبو عمار القائد الفتحاوي محمد دحلان بالبقاء علي أرض الوطن وتحرير غزة من الانقلابيين... وقال شهود عيان ممن حضروا المهرجان برام الله إنه منذ لحظة دخول دحلان إلي المهرجان علت الزغاريد وتدافعت الجماهير بكل فئاتها للوصول إليه وهم يهتفون باسمه... وأضاف الشهود إن دحلان لقي ترحيبا كبيرا من جماهير فتح التي طالبته بالبقاء علي أرض الوطن ليمارس دوره القيادي في فتح مجددين له العهد علي الوقوف خلفه مهما كان الثمن .
هذا الترحيب الذي يلقاه أشخاص مثل أبي مازن ودحلان في صفوف حركة فتح ويوم إحياء ذكري وفاة ياسر عرفات أمر مشبوه، ويعيد مرة أخري التأكيد علي أن حركة فتح أصبحت، فضلا عن كونها اليوم سمسارا للقضية، متلونة في قناعاتها وتخضع في ولاءاتها للقوي فيها ومن يملك قرار الإعطاء وقرار المنع. فمن المعروف، أن أبا مازن ودحلان كانا الرمزين الأساس لحصار عرفات فلسطينيا بعد أن حوصر إسرائيليا وأمريكيا وغربيا وعربيا. أبو مازن حرد في بيته ورفض أن يقابل عرفات بعد أن أعفاه من رئاسة الوزراء في أيلول (سبتمبر) 2003؟ أي بعد أقل من ستة أشهر علي توليه المنصب. أما سبب إعفاء عرفات له، فكان أن أبا مازن جاء لرئاسة الوزراء رغما عن الختيار الذي تذرف فتح اليوم الدمع علي ذكراه، وتعاهد بالبيعة لـ خليفته أبي مازن، والذي كان تولي الوزارة بتهديد أمريكي إسرائيلي وبعض عربي، وذلك بهدف نزع الصلاحيات من القائد الرمز الذي تبكيه اليوم جماهير فتح مع من سعوا للانقلاب عليه في الأمس. وذات الأمر ينطبق علي دحلان، والذي أراد أن يسلخ قطاع غزة عن نفوذ عرفات في أفق إقصائه، وحرك ضده المظاهرات وشتمه علنا أكثر من مرة، بل ومدد نفوذه إلي الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية علي حساب غريمه المتحالف مع عرفات في تلك المرحلة، جبريل الرجوب، رئيس الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقا. أبو مازن ودحلان لم يزورا عرفات إلا يوم أقلته الطائرة الأردنية إلي عمان، ومنها إلي فرنسا ليتوفي فيها، رغم أن القائد الرمز تحايل عليهما للجلوس معه مرارا في أيامه الأخيرة!!.
إن حال فتح وعرفات، كحال ذلك الرجل في الجاهلية قبل الإسلام، والذي كان يعبد صنما صنعه من عجوة، فلما جاع أكله. طبعا، لأن إعادة صناعة الصنم أو الرمز أمر سهل متي ما اقتضت الضرورة. لا شك أن عرفات كان قائدا بمزايا خاصة، ولا شك أن الرجل دفع حياته صامدا في آخر حياته لأنه رفض تقديم تنازلات لم يتردد أبو مازن في تقديمها عندما كان رئيسا للوزراء في قمة العقبة التي جمعته في حزيران (يونيو) 2003 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، برعاية أمريكية أردنية. ولكن هذا لا ينفي أن عرفات بأسلوبه الذي قام علي شراء الذمم وصناعة الرجال من الدرجة الثالثة أو الرابعة من حوله، هو أحد أهم أسباب الأزمة الفلسطينية اليوم. وإلا فمن صنع عباس، ومن صنع دحلان، ومن جاء بياسر عبد ربه أو بأحمد عبد الرحمن؟.. إلي آخر هذه القائمة من الصفوف الخلفية التي تبوأت السيادة والريادة في القرار الوطني الفلسطيني، وهم فيهم من فيهم من انقلابيي الأمس علي القائد الرمز ! في الماضي شفع لعرفات تمسكه بثوابت شعبه، ولكن أولئك ماذا يشفع لهم اليوم!؟ وماذا يشفع لعرفات اليوم في أنه فرض أمثال هؤلاء علي الشعب الفلسطيني رغما عنه؟ وحتي عندما أراد أن يتدارك بعض الخلل في سياساته السابقة عاجلوه قبل أن يداويهم فكان أن انتكبت القضية بهم. إن حركة فتح وقيادتها شائختان. فمنذ المؤتمر العام الخامس للحركة عام 1989 لم ينعقد لها مؤتمر آخر لتجديد الدماء في عروقها. الأدهي من ذلك أن كثيرا من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، السلطة التنفيذية الأعلي للحركة، تحولوا إلي موظفين لدي رئيس السلطة، أبو مازن، والذي هو أيضا عضو في هذه اللجنة. وما مثال هاني الحسن عضو اللجنة عنا ببعيد، وذلك عندما تجرأ وتحدث ضد تيار دايتون في قطاع غزة، فكان مصيره الإقالة من موقع مستشار الرئيس فضلا عن البهدلة التي قرع بها. هذه هي حركة فتح اليوم، حركة تحول قادتها ورموزها إلي موظفين عند نظير لهم، ولكنه مقبول إسرائيليا وأمريكيا. أما من رفض ذلك منهم، فلن يكون حاله أفضل من فاروق القدومي، الشخصية التاريخية الفتحاوية، والذي همش دوره وموقعه لصالح قيادات طارئة من فتح ومن خارجها، كما في مثال رياض المالكي، وزير خارجية سلطة محمية مقاطعة رام الله اليوم. وهنا أصل إلي النقطة الأخيرة في هذا المقال. فعرفات رحمه الله مارس لعبة خطيرة في حياته ألا وهي تبزير شخصيات هامشية وإعطائها دورا أكبر من حجمها ومن قدراتها ومن انتمائها الفصائلي والإيديولوجي. من أولئك مثلا ياسر عبد ربه. هدف عرفات من مثل تلك السياسة في السابق كان يتمثل بإحاطة نفسه بمن لا يخشي منهم ومن أطماعهم مستقبلا. وهذه السياسية ثبت فشلها اليوم كما أوضحنا سابقا. حركة فتح وقياداتها اليوم، تعلموا ذات الأسلوب من عرفات، ولكنهم لم يتعظوا من حصاد تجربة الرجل المريرة، عندما كان بعض أولئك من أوائل من انقلب عليه حيا وعلي إرثه ميتا. فرياض منصور مثلا، مندوب حكومة محمية مقاطعة رام الله لدي الأمم المتحدة، ليس من حركة فتح وإنما هو من الجبهة الديمقراطية حاليا أو سابقا، لا يهم (حسب الأستاذ عبد الباري عطوان فهو مقرب من ياسر عبد ربه وجماعة فدا ؟ كحال رياض المالكي، وزير خارجية حكومة المحمية ؟ والذي فصل من الجبهة الشعبية في تسعينيات القرن الماضي. رياض منصور هذا، صاحب مشروع قرار الميليشيات الفلسطينية الخارجة عن القانون هو نفسه الذي عارض المشروع القطري ـ الإندونيسي المشترك في الأمم المتحدة في شهر آب (أغسطس) الماضي لاعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة وضرورة رفع الحصار عنه.
أسابيع قليلة بعد فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006؟ دعيت إلي محاضرة مشتركة مع منصور في نيويورك لمناقشة خلفيات وتداعيات الحدث. طلب إلي حينها أن أتكلم لمدة 15 دقيقة تقريبا، قدمت خلالها تحليلا سياسيا لما حدث دون اتخاذ مواقف، ولكن ما فاجأني أن الرجل بدأ حديثه بهجوم كاسح علي حماس والتشكيك بفوزها عبر استحضار لعبة الأرقام، كما أنه حذر من تداعيات فوز حماس واحتمالات فرض حصار علي الشعب الفلسطيني جراء قراره الديمقراطي الحر. فوجئت من وقع الصدمة، خصوصا وأنه أعطي مدة 35 دقيقة للحديث دون مقاطعة، وعندما اعترضت جاءني جواب مدير الجلسة أشد مرارة عندما قال بأن السفير يمثل الشعب الفلسطيني، أما أنا فأمثل وجهة نظر طرف واحد!! وحينما رفضت وأصررت علي الحديث لنفس المدة، فوجئت بمنصور يعيد ذات الحجة بأنه يمثل الشعب الفلسطيني (رغم أنه كان لا يتحدث إلا بوجهة نظر فتح)، ولذلك فمن حقه أن يتحدث أكثر، فكان أن رددت عليه بالقول بأن تفويضه الشعبي قد سحب يوم ظهرت نتيجة الانتخابات التي لم تعجبه، هذا أصلا إذا ما كان عنده تفويض من قبل!. يومها أخذت حقي كاملا في الحديث لأعيد الكثير من الأمور إلي سياقها الحقيقي من وجهة نظري. ولم يكن هدفي حينها من ذلك نصرة وجهة نظر الطرف الثاني حماس ضد الطرف الذي تبناه منصور فتح ؟ بقدر ما كان هدفي أن أقول لمن حضر من العرب وبعض الأمريكيين بمن فيهم من يهود أمريكيين إن هذا الرجل لا يمثل بعثة فلسطين، خصوصا وأنه أوضح أن قراراته تأتي من عباس فحسب (هذا قبل تشكيل حماس الحكومة وقبل أي خلافات)، بل هو يمثل بعثة فئة تسلبطت علي قرار فلسطين، وهو الموقف الذي لا أزال أحمله إلي اليوم.
المثال الثاني لهذه النوعية من الرجال من الصفوف الخلفية الذين تُبَزِرُهُمٌ فتح وتبلي بهم قضية فلسطين، وزير أوقاف حكومة محمية مقاطعة رام الله، جمال بواطنة. هذا الرجل كان الأسبوع الماضي هنا في واشنطن في زيارة رسمية ضمن وفد ديني فلسطيني مسلم رسمي بدعوة من سيناتور أمريكي سابق، حيث التقوا مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وغيرها، كما أنهم أجروا نقاشات مع رجال دين يهود من الدولة العبرية ومسيحيين من الأراضي المحتلة، بهدف التوصل إلي وثيقة تمهيدية مؤطرة دينيا ـ علي ما يبدو-لمؤتمر أنابوليس القادم. علي أي حال، تلقيت دعوة لأشارك في واشنطن في جلسة مع رجال الدين المسلمين من الأرض المحتلة، ومن ضمنهم كان قاضي قضاة فلسطين، الشيخ تيسير التميمي، وجمال بواطنة.
التميمي تحدث عن طبيعة الزيارة وأهميتها ومعاناة شعب فلسطين وحال المقدسات الإسلامية، أما بواطنة فبدأ حديثه بالقول بأنه متفق مع ما قاله الشيخ التميمي، ولكن لديه شيء آخر ليقوله. وصدمت عندما وجدت الرجل يأتي لنا في واشنطن بخلافات الساحة الفلسطينية، متعللا في تقديمه لهذا الحديث الشاذ والذي أتي خارج السياق، بادعاء غير صحيح من أن الصحافة الأمريكية تزعجه كثيرا حول ما وصفها بـ إشاعات عن فصله لأئمة مقربين من حماس في الضفة الغربية. واستمر الرجل في حديثه ليتحدث عن قصور الحركات الإسلامية سياسيا، وكأن فضيلته منظر سياسي أو أنه ماوردي القرن الواحد والعشرين!!. بقيت صامتا مؤثرا أن لا أقول شيئا إلي أن تحدث عن الانقلابيين في غزة وفظائعهم بحق الشعب والقضية. فكان أن خرجت عن صمتي، وقلت له مخاطبا أمام من حضر إننا لم نجتمع لنسمع عن خلافات الشعب الفلسطيني وإنما عن كيفية خدمتنا كعرب ومسلمين أمريكيين لقضية فلسطين، كل فلسطين، بغض النظر عن خلافات فصائلها الداخلية. وأضفت بما أنك تصر علي الحديث عن انقلابيي غزة فهل يمكن أن تشرح لنا كيف تنقلب الحكومة الشرعية علي نفسها!؟ وكيف يكون المفوض بـ 70% من الأصوات انقلابيا في حين يكون أصحاب الكسور العشرية شرعيين . وقلت له إنك قلت في بداية كلامك بأن حكومتكم حكومة خدمات لا سياسية، فلماذا تتحدث بالسياسة الآن!؟ وذكرته بأنه يوم صلي بعض قادة حماس صلاة الجمعة في الضفة الغربية مع أبو مازن في مقر المقاطعة كبادرة حسن نية، خطب هو متحدثا عن الانقلاب و الانقلابيين في غزة. سائلا إياه إذا كان هذا هو دور العلماء، إن كان هو منهم!؟
غضب الرجل وقال بأن حماس أطلقت الرصاص علي أرجل الناس في غزة، فسألته أين رأيت هذا؟ فقال علي شاشات التلفزة، قلت له لن أخوض معك في صحة هذا الإدعاء، ولكن كيف تشهد علي ما لم تر، والرسول صلي الله عليه وسلم علم أحد الصحابة أن يشهد فقط علي ما تيقن منه عندما أشار إلي الشمس وقال: علي مثل هذا فأشهد . واستغربت أن الرجل يشهد علي ما حدث في قطاع غزة وهو يعيش في الضفة، في حين أنه لا يري ما يجري من فظائع ترتكبها حركة فتح في الضفة الغربية أمام عينيه بحق قيادات وكوادر حركة حماس!. غضب الرجل واشتكي مني وانتهي الأمر هكذا.
تلكم عينة ممن بزرتهم فتح ليكونوا في الواجهة، كما سلام فياض، والذي تقول بعض التقارير إنه لا يحترم عباس ولا فتح علي أساس أن قرار تعيينه رئيس وزراء هو قرار أمريكي.. ذلكم غيض من فيض من سقطات حركة فتح وانحرافها عن خطها الذي انشئت علي أساس منه، وبعد ذلك يتساءلون لماذا خسرت الانتخابات أمام حركة حماس!؟ ولماذا تتقلب بين الأزمات!؟ حتي في احتفالهم بذكري عرفات في غزة، نسوا أنهم يجادلون أن عرفات كان رمز وحدة الشعب الفلسطيني، فكان أن فرقوا الصف أكثر بكلماتهم التحريضية علي الحكومة والحركة (حماس) الذين كفلوا لهم حرية التعبير (لاحظ أن أحدا من فتح لم يتحدث عن ملف وفاة عرفات رغم أنهم يصرون علي أنه مات غيلة)، ولم ينتهوا إلا وقد تسببوا بسفك أرواح سبعة فلسطينيين وعشرات الجرحي، ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة فتح !!.
لقد كتبت غير مرة وعبر هذه الصفحة بالذات عن أن ما تمّ ما في قطاع غزة من بسط للشرعية بقوة القانون، كان تحصيل حاصل لمقدمات منطقية قادت إلي هذه النتيجة الطبيعية، والتي تقول إنه من حق من ينتخب ديمقراطيا أن يحكم باسم الشرعية، وإن من يخرج علي الشرعية بقوة السلاح لا يتم التعامل معه بقوانين الحريات المدنية وحقوق الإنسان، وإنما بفرض النظام قسرا وبقوانين الطوارئ، وهذا هو ما فعلته الحكومة الفلسطينية، برئاسة السيد إسماعيل هنية. وهي لو لم تفعل ذلك وعجزت عن فرض النظام والأمان لكان ينبغي أن تعزل بقوة القانون وباسم الشرعية أيضا. أما حقيقة كون الضفة الغربية لا زالت خارج نطاق الشرعية، فالسبب واضح وهو أن ثمة احتلالا يؤمن الحماية والاستقرار لحكومة غير شرعية في رام الله. ومن هنا نفهم تصريح رئيس الشاباك الإسرائيلي قبل أشهر قليلة من أن السلطة الفلسطينية ـ سلطة محمية مقاطعة رام الله ـ لم تعد تطلب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية خوفا من تكرار أنموذج قطاع غزة، رغم فارق الظروف وإمكانيات حماس ما بين قطاع غزة والضفة الغربية (بالمناسبة فإن هذا التصريح يوضح إصراري علي استمرار استخدام مصطلح سلطة محمية مقاطعة رام الله). أقول هذا الكلام انطلاقا من قناعة كاتب هذه السطور في أن موقفه ليس مبنيا علي انحياز لطرف ضد طرف آخر، كما أنه ليس عائدا لحسابات وانتماءات سياسية وإيديولوجية، يصر البعض علي ترديدها كلما كتبت في هذه المسألة. فمبني الإشكالية هنا أن من ينال التفويض الشعبي يحكم باسم الشرعية الشعبية، سواء أكان ذلك الطرف حماسا أم فتحا، أما الطرف الخاسر فله الحق بالمعارضة الديمقراطية حتي تأتي به الانتخابات القادمة، هذا إن أتت به أصلا، ومن يخــرق قواعد اللعبة الديمقراطية، سواء أكانت حماس أم فتح يـــتم ردعه بقوة القانون.
بعد هذه اللازمة الاستهلالية الضرورية لفهم التالي من السطور، نعود مرة أخري إلي حكاية مندوب سلطة محمية مقاطعة رام الله لدي الأمم المتحدة. فحسب مستندات ووثائق حصلت عليها الجزيرة قبل أسبوع تقريبا، فقد قدم هذا الأخير مشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف الشهر الماضي، يدين في فقرتين منه إطلاق الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة ويساويها بالعدوان الإسرائيلي، ويدعو إلي اعتبار سيطرة حركة حماس، عبر حكومتها الفلسطينية الشرعية، علي أنها سيطرة لـ ميليشيات خارجة عن القانون. وكأن هذه الميليشيات ؟ حسب زعم رياض منصور ومن ورائه سلطة محمية المقاطعة ؟ لم تحصل علي 70% من مقاعد المجلس التشريعي المنتخب ديمقراطيا، في حين يتمتع رئيس وزرائه في حكومة المحمية ؟ سلام فياض، بدعم لم يتجاوز في الانتخابات التشريعية ذاتها مطلع عام 2006؟ بـ 2.5%؟ وبالتالي لم ينجح من كتلته العتيدة سوي هو والدكتورة حنان عشراوي، قبل أن تنفصل عنه، ليبقي له في أحسن الأحوال 1.25%؟ هذا مع الافتراض المفرط بحسن النية من أنه يتمتع بشرعية وشعبية العشراوي!
وما كادت الجزيرة تنشر هذا الخبر، حتي قامت الدنيا عليها ولم تقعد من قبل حكومة محمية مقاطعة رام الله ومن ورائها حركة فتح، واللتين أنكرتا صحة الوثيقة واتهمتا الجزيرة بكل نقيصة وخسيسة. ولكن ولأن الحقيقة دائما أمضي أثرا وأرسخ حجة، فقد فضح المستور مع كشف الجزيرة عن الوثائق وبالصور، والتي زودها بها، كما قالت الجزيرة، مصدر عربي في الجمعية العامة. وجه الغرابة، ان منصور هذا لم يعرض مشروع القرار علي المندوبين العرب في الأمم المتحدة، كما جري عليه العرف الديبلوماسي، بل إنه سعي أولا لتأمين دعم أوروبي له، علي أساس أن الأمريكي والإسرائيلي مضمونان. وفي الحقيقة إنه لو جري الكشف عن مضمون مشروع القرار من دون كشف مقدمه لما شك مراقب إنه إما مشروع أمريكي أو صهيوني، لأن أوروبا ورغم انحيازها التاريخي ضد الشعب الفلسطيني فإنها لم تصل هذه الصلافة بعد في التخندق في المعسكر الإسرائيلي.
هذا كان عن وجه الغرابة، أما وجه الفجاجة في الأمر، فهو ما كشفه محضر الاجتماعات الصادر عن بعثة الجامعة العربية لدي الأمم المتحدة، كما نشرته الجزيرة، من أن المندوب الفلسطيني الذي ضاق ذرعا باعتراضات مندوبي مصر وسورية والأردن وليبيا والسودان والتي تركزت علي نقطتين، الأولي تقديم مشروع قرار دون الرجوع إلي المجموعة العربية عملا بالعرف السائد بين المجموعة العربية، والثاني تدويل الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني واستعداء العالم علي فصيل وتهييئ الأجواء لتوصيفه إرهابيا دوليا.. حاول تبرير (أي منصور) هذه الصياغة بطريقة غير ديبلوماسية وجافة أحيانا ؟ مشيرا إلي أنه لا يأبه بالموقف العربي وانه مهتم فقط بالدعم الأوروبي لمشروع القرار!!.
صحيح أن المندوبين العرب نجحوا في تعديل الصياغة في آخر المطاف، حيث اتفق علي إدخال عبارة الاستيلاء غير القانوني علي مؤسسات السلطة بدلا من استيلاء مليشيات خارجة عن القانون إلا أن ما لم يشر إليه أحد هو ذلك التحول الخطير داخل بعض جيوب وجحور الساحة الفلسطينية. فأن يتصدي مندوب سلطة محمية رام الله لمندوبي لا سورية والأردن والسودان وليبيا فحسب، بل وحتي مصر، فإن هذا يستلزم قراءة جديدة، حيث أن دلالاتها خطيرة جدا وأبعد مما يتوقع البعض. فمعروف أن رموز سلطة فتح يغضبون الدنيا كلها ولا يغضبون مصر، وهم حريصون دائما علي ودها، بالإضافة إلي المملكة العربية السعودية. إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تحولا واضحا في هذه المقاربة. فأبو مازن ينسق يمينا وشمالا لمؤتمر أنابوليس القادم، إن عقد، ويتجاهل دور مصر، والتي كان حظها منه أخيرا زيارة تلطيفية، وذلك لكي يطلع الرئيس المصري علي آخر التطورات. وهو كان قبل ذلك قد رفض وساطات مصر والسعودية لإعادة لحمة الشعب الفلسطيني بعد بسط الشرعية في قطاع غزة منتصف حزيران (يونيو) الماضي. إذن، أبو مازن ومن ورائه حركة فتح وبعض الطفيليات التي ركبت قافلة الفتنة، باتوا يرون في أنفسهم كارادورا ؟ أو ممرا، لتمديد النفوذ الأمريكي الإسرائيلي إلي قلب الجسد العربي، وبالتالي فهم لم يعودوا بحاجة ماسة إلي العمق العربي، حتي الرسمي المتقاعس منه، حيث أن ثمة مظلة أمريكية ـ إسرائيلية جديدة تظلهم الآن. وهذا هو أخطر ما في الأمر، أن يخرج جزء من فصائل العمل الفلسطيني القضية من عباءتها العربية، وإن كانت مهترئة، ولكنها مع ذلك تبقي أفضل من العباءة الأمريكية ـ الإسرائيلية المسمَّرة ؟ والتي تقتل من يتلفع بها من الفلسطينيين باستنزاف دمائهم عندما تغرز مساميرها في أجسادهم.
لا بد من الاعتراف وبدون رتوش ولا مساحيق بأن حركة فتح تحولت إلي سمسار للقضية مكشوف الوجه ويتقاضي عمولته علنا دون خجل ولا وجل. أما حكاية عباءة الشرعية التاريخية، فقد أضحت حجة استباقية لأي شكوك تثار حول فتح ودورها في الساحة الفلسطينية اليوم. لقد كثر الحديث عن أن حركة فتح مخطوفة من قبل زمرة منسلخة عن تاريخ وتراث الحركة. حسنا، فأين هي تلك الفئة الصالحة والوطنية داخل فتح!؟ لماذا لا تعبر عن نفسها!؟ ولماذا تصر علي عدم نفض الأتربة والأدران عن جسد حركتها المثقل بوطأة أصحاب الولاءات الخارجية!؟ هذا التقييم القاسي لا يعني أن فتحا عدمت شرفاء ووطنيين، ولكنهم مغيبون طوعا وصامتون عن ما يجري باسم حركتهم من تدمير للقضية الفلسطينية، وبالتالي فهم... نعم، هم مدانون أيضا.
في الأسبوع الماضي احتفلت حركة فتح بالذكري الثالثة لوفاة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، والذي كان أيضا الزعيم التاريخي لحركة فتح. أبو مازن وأمام نصبه التذكاري في رام الله أكد مواصلة طريق الزعيم الخالد . أيضا محمد دحلان كان ممن شارك جماهير فتح المحتشدة لإحياء ذكري ياسر عرفات في رام الله. موقع صوت فلسطين ـ حركة فتح المحسوب علي هذه الأخيرة عنون إحدي تقاريره (11/11) عن إحياء الذكري الثالثة لوفاة عرفات في رام الله بـ: دحلان يختطف الاضواء في مهرجان تأبين الشهيد الرمز أبو عمار . وجاء في تقريرها: طالبت جماهير حركة فتح المشاركة في مهرجان إحياء الذكري الثالثة لرحيل الشهيد الرمز أبو عمار القائد الفتحاوي محمد دحلان بالبقاء علي أرض الوطن وتحرير غزة من الانقلابيين... وقال شهود عيان ممن حضروا المهرجان برام الله إنه منذ لحظة دخول دحلان إلي المهرجان علت الزغاريد وتدافعت الجماهير بكل فئاتها للوصول إليه وهم يهتفون باسمه... وأضاف الشهود إن دحلان لقي ترحيبا كبيرا من جماهير فتح التي طالبته بالبقاء علي أرض الوطن ليمارس دوره القيادي في فتح مجددين له العهد علي الوقوف خلفه مهما كان الثمن .
هذا الترحيب الذي يلقاه أشخاص مثل أبي مازن ودحلان في صفوف حركة فتح ويوم إحياء ذكري وفاة ياسر عرفات أمر مشبوه، ويعيد مرة أخري التأكيد علي أن حركة فتح أصبحت، فضلا عن كونها اليوم سمسارا للقضية، متلونة في قناعاتها وتخضع في ولاءاتها للقوي فيها ومن يملك قرار الإعطاء وقرار المنع. فمن المعروف، أن أبا مازن ودحلان كانا الرمزين الأساس لحصار عرفات فلسطينيا بعد أن حوصر إسرائيليا وأمريكيا وغربيا وعربيا. أبو مازن حرد في بيته ورفض أن يقابل عرفات بعد أن أعفاه من رئاسة الوزراء في أيلول (سبتمبر) 2003؟ أي بعد أقل من ستة أشهر علي توليه المنصب. أما سبب إعفاء عرفات له، فكان أن أبا مازن جاء لرئاسة الوزراء رغما عن الختيار الذي تذرف فتح اليوم الدمع علي ذكراه، وتعاهد بالبيعة لـ خليفته أبي مازن، والذي كان تولي الوزارة بتهديد أمريكي إسرائيلي وبعض عربي، وذلك بهدف نزع الصلاحيات من القائد الرمز الذي تبكيه اليوم جماهير فتح مع من سعوا للانقلاب عليه في الأمس. وذات الأمر ينطبق علي دحلان، والذي أراد أن يسلخ قطاع غزة عن نفوذ عرفات في أفق إقصائه، وحرك ضده المظاهرات وشتمه علنا أكثر من مرة، بل ومدد نفوذه إلي الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية علي حساب غريمه المتحالف مع عرفات في تلك المرحلة، جبريل الرجوب، رئيس الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقا. أبو مازن ودحلان لم يزورا عرفات إلا يوم أقلته الطائرة الأردنية إلي عمان، ومنها إلي فرنسا ليتوفي فيها، رغم أن القائد الرمز تحايل عليهما للجلوس معه مرارا في أيامه الأخيرة!!.
إن حال فتح وعرفات، كحال ذلك الرجل في الجاهلية قبل الإسلام، والذي كان يعبد صنما صنعه من عجوة، فلما جاع أكله. طبعا، لأن إعادة صناعة الصنم أو الرمز أمر سهل متي ما اقتضت الضرورة. لا شك أن عرفات كان قائدا بمزايا خاصة، ولا شك أن الرجل دفع حياته صامدا في آخر حياته لأنه رفض تقديم تنازلات لم يتردد أبو مازن في تقديمها عندما كان رئيسا للوزراء في قمة العقبة التي جمعته في حزيران (يونيو) 2003 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، برعاية أمريكية أردنية. ولكن هذا لا ينفي أن عرفات بأسلوبه الذي قام علي شراء الذمم وصناعة الرجال من الدرجة الثالثة أو الرابعة من حوله، هو أحد أهم أسباب الأزمة الفلسطينية اليوم. وإلا فمن صنع عباس، ومن صنع دحلان، ومن جاء بياسر عبد ربه أو بأحمد عبد الرحمن؟.. إلي آخر هذه القائمة من الصفوف الخلفية التي تبوأت السيادة والريادة في القرار الوطني الفلسطيني، وهم فيهم من فيهم من انقلابيي الأمس علي القائد الرمز ! في الماضي شفع لعرفات تمسكه بثوابت شعبه، ولكن أولئك ماذا يشفع لهم اليوم!؟ وماذا يشفع لعرفات اليوم في أنه فرض أمثال هؤلاء علي الشعب الفلسطيني رغما عنه؟ وحتي عندما أراد أن يتدارك بعض الخلل في سياساته السابقة عاجلوه قبل أن يداويهم فكان أن انتكبت القضية بهم. إن حركة فتح وقيادتها شائختان. فمنذ المؤتمر العام الخامس للحركة عام 1989 لم ينعقد لها مؤتمر آخر لتجديد الدماء في عروقها. الأدهي من ذلك أن كثيرا من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، السلطة التنفيذية الأعلي للحركة، تحولوا إلي موظفين لدي رئيس السلطة، أبو مازن، والذي هو أيضا عضو في هذه اللجنة. وما مثال هاني الحسن عضو اللجنة عنا ببعيد، وذلك عندما تجرأ وتحدث ضد تيار دايتون في قطاع غزة، فكان مصيره الإقالة من موقع مستشار الرئيس فضلا عن البهدلة التي قرع بها. هذه هي حركة فتح اليوم، حركة تحول قادتها ورموزها إلي موظفين عند نظير لهم، ولكنه مقبول إسرائيليا وأمريكيا. أما من رفض ذلك منهم، فلن يكون حاله أفضل من فاروق القدومي، الشخصية التاريخية الفتحاوية، والذي همش دوره وموقعه لصالح قيادات طارئة من فتح ومن خارجها، كما في مثال رياض المالكي، وزير خارجية سلطة محمية مقاطعة رام الله اليوم. وهنا أصل إلي النقطة الأخيرة في هذا المقال. فعرفات رحمه الله مارس لعبة خطيرة في حياته ألا وهي تبزير شخصيات هامشية وإعطائها دورا أكبر من حجمها ومن قدراتها ومن انتمائها الفصائلي والإيديولوجي. من أولئك مثلا ياسر عبد ربه. هدف عرفات من مثل تلك السياسة في السابق كان يتمثل بإحاطة نفسه بمن لا يخشي منهم ومن أطماعهم مستقبلا. وهذه السياسية ثبت فشلها اليوم كما أوضحنا سابقا. حركة فتح وقياداتها اليوم، تعلموا ذات الأسلوب من عرفات، ولكنهم لم يتعظوا من حصاد تجربة الرجل المريرة، عندما كان بعض أولئك من أوائل من انقلب عليه حيا وعلي إرثه ميتا. فرياض منصور مثلا، مندوب حكومة محمية مقاطعة رام الله لدي الأمم المتحدة، ليس من حركة فتح وإنما هو من الجبهة الديمقراطية حاليا أو سابقا، لا يهم (حسب الأستاذ عبد الباري عطوان فهو مقرب من ياسر عبد ربه وجماعة فدا ؟ كحال رياض المالكي، وزير خارجية حكومة المحمية ؟ والذي فصل من الجبهة الشعبية في تسعينيات القرن الماضي. رياض منصور هذا، صاحب مشروع قرار الميليشيات الفلسطينية الخارجة عن القانون هو نفسه الذي عارض المشروع القطري ـ الإندونيسي المشترك في الأمم المتحدة في شهر آب (أغسطس) الماضي لاعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة وضرورة رفع الحصار عنه.
أسابيع قليلة بعد فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006؟ دعيت إلي محاضرة مشتركة مع منصور في نيويورك لمناقشة خلفيات وتداعيات الحدث. طلب إلي حينها أن أتكلم لمدة 15 دقيقة تقريبا، قدمت خلالها تحليلا سياسيا لما حدث دون اتخاذ مواقف، ولكن ما فاجأني أن الرجل بدأ حديثه بهجوم كاسح علي حماس والتشكيك بفوزها عبر استحضار لعبة الأرقام، كما أنه حذر من تداعيات فوز حماس واحتمالات فرض حصار علي الشعب الفلسطيني جراء قراره الديمقراطي الحر. فوجئت من وقع الصدمة، خصوصا وأنه أعطي مدة 35 دقيقة للحديث دون مقاطعة، وعندما اعترضت جاءني جواب مدير الجلسة أشد مرارة عندما قال بأن السفير يمثل الشعب الفلسطيني، أما أنا فأمثل وجهة نظر طرف واحد!! وحينما رفضت وأصررت علي الحديث لنفس المدة، فوجئت بمنصور يعيد ذات الحجة بأنه يمثل الشعب الفلسطيني (رغم أنه كان لا يتحدث إلا بوجهة نظر فتح)، ولذلك فمن حقه أن يتحدث أكثر، فكان أن رددت عليه بالقول بأن تفويضه الشعبي قد سحب يوم ظهرت نتيجة الانتخابات التي لم تعجبه، هذا أصلا إذا ما كان عنده تفويض من قبل!. يومها أخذت حقي كاملا في الحديث لأعيد الكثير من الأمور إلي سياقها الحقيقي من وجهة نظري. ولم يكن هدفي حينها من ذلك نصرة وجهة نظر الطرف الثاني حماس ضد الطرف الذي تبناه منصور فتح ؟ بقدر ما كان هدفي أن أقول لمن حضر من العرب وبعض الأمريكيين بمن فيهم من يهود أمريكيين إن هذا الرجل لا يمثل بعثة فلسطين، خصوصا وأنه أوضح أن قراراته تأتي من عباس فحسب (هذا قبل تشكيل حماس الحكومة وقبل أي خلافات)، بل هو يمثل بعثة فئة تسلبطت علي قرار فلسطين، وهو الموقف الذي لا أزال أحمله إلي اليوم.
المثال الثاني لهذه النوعية من الرجال من الصفوف الخلفية الذين تُبَزِرُهُمٌ فتح وتبلي بهم قضية فلسطين، وزير أوقاف حكومة محمية مقاطعة رام الله، جمال بواطنة. هذا الرجل كان الأسبوع الماضي هنا في واشنطن في زيارة رسمية ضمن وفد ديني فلسطيني مسلم رسمي بدعوة من سيناتور أمريكي سابق، حيث التقوا مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وغيرها، كما أنهم أجروا نقاشات مع رجال دين يهود من الدولة العبرية ومسيحيين من الأراضي المحتلة، بهدف التوصل إلي وثيقة تمهيدية مؤطرة دينيا ـ علي ما يبدو-لمؤتمر أنابوليس القادم. علي أي حال، تلقيت دعوة لأشارك في واشنطن في جلسة مع رجال الدين المسلمين من الأرض المحتلة، ومن ضمنهم كان قاضي قضاة فلسطين، الشيخ تيسير التميمي، وجمال بواطنة.
التميمي تحدث عن طبيعة الزيارة وأهميتها ومعاناة شعب فلسطين وحال المقدسات الإسلامية، أما بواطنة فبدأ حديثه بالقول بأنه متفق مع ما قاله الشيخ التميمي، ولكن لديه شيء آخر ليقوله. وصدمت عندما وجدت الرجل يأتي لنا في واشنطن بخلافات الساحة الفلسطينية، متعللا في تقديمه لهذا الحديث الشاذ والذي أتي خارج السياق، بادعاء غير صحيح من أن الصحافة الأمريكية تزعجه كثيرا حول ما وصفها بـ إشاعات عن فصله لأئمة مقربين من حماس في الضفة الغربية. واستمر الرجل في حديثه ليتحدث عن قصور الحركات الإسلامية سياسيا، وكأن فضيلته منظر سياسي أو أنه ماوردي القرن الواحد والعشرين!!. بقيت صامتا مؤثرا أن لا أقول شيئا إلي أن تحدث عن الانقلابيين في غزة وفظائعهم بحق الشعب والقضية. فكان أن خرجت عن صمتي، وقلت له مخاطبا أمام من حضر إننا لم نجتمع لنسمع عن خلافات الشعب الفلسطيني وإنما عن كيفية خدمتنا كعرب ومسلمين أمريكيين لقضية فلسطين، كل فلسطين، بغض النظر عن خلافات فصائلها الداخلية. وأضفت بما أنك تصر علي الحديث عن انقلابيي غزة فهل يمكن أن تشرح لنا كيف تنقلب الحكومة الشرعية علي نفسها!؟ وكيف يكون المفوض بـ 70% من الأصوات انقلابيا في حين يكون أصحاب الكسور العشرية شرعيين . وقلت له إنك قلت في بداية كلامك بأن حكومتكم حكومة خدمات لا سياسية، فلماذا تتحدث بالسياسة الآن!؟ وذكرته بأنه يوم صلي بعض قادة حماس صلاة الجمعة في الضفة الغربية مع أبو مازن في مقر المقاطعة كبادرة حسن نية، خطب هو متحدثا عن الانقلاب و الانقلابيين في غزة. سائلا إياه إذا كان هذا هو دور العلماء، إن كان هو منهم!؟
غضب الرجل وقال بأن حماس أطلقت الرصاص علي أرجل الناس في غزة، فسألته أين رأيت هذا؟ فقال علي شاشات التلفزة، قلت له لن أخوض معك في صحة هذا الإدعاء، ولكن كيف تشهد علي ما لم تر، والرسول صلي الله عليه وسلم علم أحد الصحابة أن يشهد فقط علي ما تيقن منه عندما أشار إلي الشمس وقال: علي مثل هذا فأشهد . واستغربت أن الرجل يشهد علي ما حدث في قطاع غزة وهو يعيش في الضفة، في حين أنه لا يري ما يجري من فظائع ترتكبها حركة فتح في الضفة الغربية أمام عينيه بحق قيادات وكوادر حركة حماس!. غضب الرجل واشتكي مني وانتهي الأمر هكذا.
تلكم عينة ممن بزرتهم فتح ليكونوا في الواجهة، كما سلام فياض، والذي تقول بعض التقارير إنه لا يحترم عباس ولا فتح علي أساس أن قرار تعيينه رئيس وزراء هو قرار أمريكي.. ذلكم غيض من فيض من سقطات حركة فتح وانحرافها عن خطها الذي انشئت علي أساس منه، وبعد ذلك يتساءلون لماذا خسرت الانتخابات أمام حركة حماس!؟ ولماذا تتقلب بين الأزمات!؟ حتي في احتفالهم بذكري عرفات في غزة، نسوا أنهم يجادلون أن عرفات كان رمز وحدة الشعب الفلسطيني، فكان أن فرقوا الصف أكثر بكلماتهم التحريضية علي الحكومة والحركة (حماس) الذين كفلوا لهم حرية التعبير (لاحظ أن أحدا من فتح لم يتحدث عن ملف وفاة عرفات رغم أنهم يصرون علي أنه مات غيلة)، ولم ينتهوا إلا وقد تسببوا بسفك أرواح سبعة فلسطينيين وعشرات الجرحي، ويسألونك بعد ذلك كله عن ماهية أزمة فتح !!.
نقلا عن موقع صحيفة القدس العربي www.alquds.co.uk
كتبها مروان السلواني في 08:54 مساءً ::
9 تعليقات
في23,تشرين الثاني,2007 - 08:21 صباحاً, باسل فلسطين كتبها ...
استاذ اسامة ابو رشيد شكرا..
استاذ مروان السلواني شكرا الف الف الف مرة على قلمك الحر.....
اتفق مع ماكتب اعلاه بكل حرف عدا نقطاط قليلة منها:
اولا
حركة فتح منذ انشائها بدات سلسلة تنازلات لاتنتهي ولكن للاسف هي حركة لها امتداد شعبي لانه رغم كل ما يقال الشعب الفلسطيني غير واعي بما فيه الكفاية ...
ثانيا
خطأ حماس الكبير هو المشاركة في انتخابات جرت تحت ظل سلطة تعتبر صنيعة امريكا واسرائيل ...لكن لن ازاود هنا على موقف حماس .......
ثالثا
السلطة ليست محمية في مقاطعة رام الله فذلك كثير عليها فهي لاتملك حتى السيطرة على المقاطعة بل هي واقعة تحت محمية امريكا واليهود والجهل الشعبي....
رابعا..
وزير الاوقاف بواطنه لو فعلا عنده فقه اسلامي لما كان وافق على تبوأ منصب وزاري في سلطة تحكمها العلمانية ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة........ثم ان كثير من مشايخ اليوم يعبدون الله في العلن وامريكا والحكام في السر والعلن...
خامسا
بما ان الشعب ساكت وبيطبل وبيزمر الله لايرده يا شيخ وانشالله عمره ما صحي.......
شكرا من الاعماق على هذا المقال الرائع
في23,تشرين الثاني,2007 - 11:32 مساءً, eMaN كتبها ...
مقال رائع و قيّم ...
تشكر اخ مروان على تقديمه ...
اخي ما يحصل بعضاً منه نتاجنا نحن ... لأننا ببساطة رضينا المزاودة علينا ...
يعني بنظهر بآن واحد بألف وجه ... الغالب ما بينعرف الهم طريق ...
و عجبتني نقطة خامساً من تعليق الأخ باسل
بما ان الشعب ساكت وبيطبل وبيزمر الله لايرده يا شيخ وانشالله عمره ما صحي...
و هي ترجمة كلامي بألف وجه ...
دام قلمك الحر و دمتَ انتَ بخيـــــــر
كل الود و الاحترام ...
في27,تشرين الثاني,2007 - 06:24 صباحاً, Hanzalah كتبها ...
لا بد لنا من الاقرار بحقيقة أن السلطة الفلسطينيه وجدت بموجب اتفاقية أوسلو وبموافقة الاحتلال وهذا لا يعني بأي حال من الاحوال انها كيان مستقل ذات سيادة ، فلا هي دولة ولا هي حركة تحرر وطني، وانما سلطة ذات صلاحيات ادارية محدودة جداً على أرض لازالت تحت الاحتلال، فإن اتفقنا على هذه الحقيقة بالتأكيد ستسقط كل ادعاءات الشرعية التي جاءت أيضاً بعملية ديمقراطية تحت الرعاية الصهيواميركية، فالشرعية تكون لدولة مستقلة ذات سيادة تامة تمتلك كل مقومات الدولة، يمكنها حتى تحافظ على كيانها ووجودها ان تطبق القانون، أما في الحالة الفلسطينية فلا شرعية في ظل الاحتلال إلا للمقاومة كمشروع وطني للتحرر، فإن اتفقنا على هذا فبالتأكيد سننحاز للوطن والشعب بعيداً عن تقزيم القضية من خلال نظرة حزبية ضيقة تقدم المصلحة الذاتيه على المصلحة العامة وتحول القضية الى صراع على كراسي وهمية الخاسر فيها بالدرجة الاولى الوطن والمواطن.
لا يمكن ونحن نتحدث عن قضيتنا أن ننكر نضال جميع الشرفاء في كل القوى الفلسطينية ولابد لنا أن نعترف بأن زمرة (قادة اوسلو) أمسكت بكل الخيوط واختزلت القضية بأشخاصها واستأثرت بكل القرارات لإرتباطها الواضح بالمشروع الصهيواميركي وتنفيذها المخطط بكل دقائقه ولا يمكن لنا أن ننكر ذلك ونحن نتابع المجريات على الأرض، فتلك زمرة باعت نفسها لمشروع خارجي منذ اتفاقيات اوسلو مروراً بوثيقة جنيف وكل اللقاءات السرية والعلنية التي لم ينتج عنها الا مزيداً من التنازلات والخراب والدمار والتضييق على الشعب الفلسطيني وإضفاء الشرعية على كيان محتل يمارس عربدته صبح مساء ويجد من بيننا من يبرر له انتهاكاته واجتياحاته، فمنهم من وصف المقاومة بـ "الحقيرة" ومنهم من وصفها بـ "العبثيه" وللقضاء عليها وحماية المحتل أصدروا المراسيم لجمع سلاحها ومطاردة المقاومين، وطالبوا "المجتمع الدولي" على لسان رياض منصور حماية الجلاد من "صواريخ" الضحية، ثم تلاها بمعارضة اعلان القطاع منطقة منكوبة وتوجها باعتبار المقاومة خارجة على القانون، وطالما هو مندوب السلطة في الامم المتحدة فمعنى هذا انه يعكس وجهة نظر (زمرة أوسلو)، للاسف الشديد أن مطالبهم تلك لم يكن يحلم بها أشد المتفائلين في الكيان الصهيوني ولا أشد المتشائمين في أمتنا.
ان ما تقوم به (زمرة أوسلو) لا يمكن ادراجه بأي حال من الاحوال الا في خانة العمالة المطلقة وغير المسبوقة للصهيواميركي، والواجب على الشعب الفلسطيني بكل فئاته واطيافه التوحد ضدهم ونبذهم وتجريمهم بما ارتكبوه وسيرتكبوه من تنازلات وجرائم بشعه بحق القضية الفلسطينية، ولا شك أن الشرفاء في حركة فتح يتحملون المسؤولية الكاملة عما تُمارسه تلك الفئة التي اختطفت قرار الحركة وأخذت تتلاعب بمصير القضية والشعب وقد آن لهم أن يتحركوا بشكل فاعل ليعيدوا الامور الى نصابها الصحيح فلم يعد هناك وقت للسكوت على ما يجري بعد أن وصلت الأمور لسفك الدم الفلسطيني باليد الفلسطينية من أجل تنفيذ المشروع الاجرامي، على هؤلاء ان كانوا مخلصين أن يعيدوا لفتح وجهها الناصع الذي منذ نشأنا أحببنا نضالها وتضحيات ابطالها، عليهم أن يخلصوها من تلك الزمرة التي لا هم لها الا القضاء على القضية الفلسطينية بشكل تام تلبية للرغبة الصهيواميركية فإن لم يفعلوا واستمروا بسكوتهم فهذا ليس إلا علامة الرضى عما تمارسه تلك الزمرة الآثمة، وعلى حماس تلك الحركة التي أحبتها كل الشعوب أن تعود للبندقية بعيداً عن دهاليز السياسة وألاعيبها، لأن البندقية هي التي تعطي الشرعية الحقيقية لشعب تحت الاحتلال يقاوم من أجل التحرر كان على الدوام مثالاً يحتذى لكل شعوب الارض وكانت مقاومته وصموده رمزاً لكل احرار الدنيا.
لقد تنازلت زمرة اوسلو وأسقطت كل اوراق التوت التي تستر عورتها، فانكشفت واعتادت على المضي الى المجهول بلا حياء في مشروع استسلامي اجرامي، وأخذت تروج لاكاذيب لم تعد تنطلي على أحد، فمنذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة التي تتزامن مع انعقاد اجتماع التطبيع الجماعي لم تقدم للشعب الفلسطيني أي تقدم يُذكر، فالمعابر لازالت مغلقة والحواجز بازدياد وكذلك اعداد الاسرى، والانتهاكات والاجتياحات ازدادت، جدار الفصل العنصري يتلوى ولم يترك شبراً الا وقسمه، القدس تُهوّد والاقصى مهدد، الفقر والجوع والبطالة ونقص الادوية، الشهداء يتساقطون يومياً، حصار خانق يكتم الانفاس، وهم يلثهون وراء سراب، أصبحوا لشدة أكاذيبهم يتشدقون ببيان نوايا المحتل واحراجه أمام الرأي العالمي، وكأن الرأي العالمي يحفل بما يعانيه الفلسطيني، كأن الرأي العالمي ليس هو من أوجد الفيروس في جسدنا، كأنه ليس منحازاً بالكامل ضدنا، هؤلاء أصبحوا مروجين للكيان الصهيوني، يتحدثون بلسانه، يتسابقون لإرضائه، ولا يعنيهم أن اجتماع التطبيع الجماعي لن يطرح أي قضية على الاطلاق الا ما يريده الصهيوني وهو لا يريد الا موافقتهم الجماعية الصريحة على يهودية كيانه، هم والعرب جميعاً موافقين ضمناً، فقد وافقوا مسبقاً على رؤية المجرم بوش التي تقر يهودية الكيان الصهيوني، وهم ذاهبون لاعلان الموافقة الجماعية وكل ما يُقال خلاف ذلك مجرد اكاذيب وذر للرماد في العيون، فهم تنازلوا عن كل شيء، تنازلوا عن القدس ومقدساتها، وتركوا مستقبل ما يزيد عن المليون ونصف فلسطيني في مهب الريح سيعمل الابارتهايد الجديد على تهجيرهم.
هذا ما يقوم به هؤلاء الذين يدّعون الشرعية ويتشدقون بالوطنية ويصفون حماس بالانقلابيين والحركة الظلامية وبنفس الوقت يبيعون القضية والشعب في مزاد علني ويقبضون الثمن بالدولار، أنا شخصياً ضد ما جرى في غزه من قتل الفلسطيني لأخيه الفلسطيني، لأن البندقية يجب أن تكون دائماً نظيفة من الدم الفلسطيني ويجب ألا توجه الا للمحتل الذي يقتل الجميع بلا تمييز، ويجب أن يكون هدف الجميع اخراجه من كل شبر في فلسطين ومعه تلك الزمرة الفاسدة التي لا تريد الا تنفيذ مشروعه بالقضاء على مقاومة شعب كامل والتنازل عن كل الارض الفلسطينية.
تحياتي لك ودمت بخير
في28,تشرين الثاني,2007 - 02:53 مساءً, admiral كتبها ...
بداية ً لابد من شكرك على هذا المقال القيم
ولا أملك الكثير لأقوله سوى أنه :
كثيرا ً ما تشتد قوة الباطل وسطوته ، لكن هذا لا يعني أبداً إستمرارها .
حركة فتح إنهارت قبيل خروجها من بيروت ،
وما بقي الآن ليسوا سوى سماسرة يبيعون هذا الوطن ، ومن حولهم شرذمة تلتقط فتات الموائد ، نسوا أن الوطن يشترى ولا بياع .
بارك الله فيك
في16,كانون الأول,2007 - 07:44 مساءً, طارق المومني كتبها ...
شكرا على المقال ..
تحيتي
في17,كانون الأول,2007 - 01:44 صباحاً, mentos كتبها ...
تحياتي لك يا اخي
كالعادة انبهرت بكل ما جاء في مقالك
بوركت
وعيد سعيد
في21,كانون الثاني,2008 - 08:29 مساءً, البحر العذب كتبها ...
اخي الغالي مروان ،،
شكرا جزيلا على عرضك هذا المقال ،،
يبدو ان الانور متشابكه تماما وكل يمشي على هواه وما يصب في مصلحته ،،
دمت بالف خير وسلامه،،
اخوك عبدالخالق.
في31,كانون الثاني,2008 - 09:52 مساءً, الفراشة البيضاء كتبها ...
موتني وانا اقرا
بس ما راح اعلق
يسلمو على النقل المميز
في21,نيسان,2008 - 06:50 مساءً, ليل كتبها ...
أتفق مع كل ما قيل ولا أعتب إلا على شعبنا الذي يجوع ويقتل ويسكت ، او يغرر به فيتبع شرذمة حقيرة متواطئة تسعى لمصلحة شخصية لا أكثر
الاسم: مروان السلواني
